محمد حسين علي الصغير
127
تاريخ القرآن
والملحظان الأخيران يؤكدان استجابة أبي الأسود لهذا الأمر بسبب أمر رسمي من سلاطين عصره ، وهو ما لا يتفق مع عزلة أبي الأسود السياسية ، وعزوفه عن المناخ الرسمي ، ولعل القلقشندي يدفع عنه ذلك صراحة ، ويوضحه فيقول : « إن أول من نقط القرآن ووضع العربية أبو الأسود الدؤلي من تلقين أمير المؤمنين عليّ كرم اللّه وجهه » « 1 » . والغريب الذي لا يمت إلى أساس علمي أن يستبعد كل ما تقدم به أبو الأسود الدؤلي مع تظاهر الروايات على صدقة أو على شهرته على الأقل ، بعض الدارسين المعاصرين ، فمن يعد انفراد أبي الأسود في ذلك ليس منطقيا ولا معقولا ، ولا يقوم على أساس عقلي ، وكأنه يستكثر ذلك عليه إن لم يستنكره ، بينما يعتبر أن للحجاج عملا عظيما لا سبيل إلى إنكاره في الإشراف على نقط القرآن « 2 » . ولدى التحقيق - كما سترى فيما بعد - فليس هناك مصدر واحد يوثق به ، أو نقل ثابت ، ويؤرخ هذه التقولات . وليت شعري ما المانع العقلي أو المنطقي الذي يراه صبحي الصالح حائلا عن قيام أبي الأسود بذلك ، وأبو الأسود عالم موسوعي في كثير من فنون الأدب واللغة والتراث ، وهو بعد تلميذ الإمام علي عليه السّلام ولم تشغله سياسة القوم عن النهج العلمي . ولقد أكمل عمل أبي الأسود من بعده ، اثنان من تلامذته هما يحيى بن يعمر العدواني ( ت : 90 ه تقريبا ) ونصر بن عاصم الليثي ( ت : 89 ه ) حيث وضعا النقاط على الحروف أزواجا وإفرادا ، وقد كان وضع النقاط على الحروف حقيقيا لا على سبيل الاستعمال المجازي ، وبذلك تميزت صور الحروف المتشابهة ، وصار لكل حرف صورة تغاير صورة غيره من الحروف ، طبقا لما نجده متعارفا في كتابتنا المتداولة اليوم « 3 » .
--> ( 1 ) القلقشندي ، صبح الأعشى : 3 / 151 . ( 2 ) ظ : صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن : 94 . ( 3 ) ظ : أبو أحمد العسكري ، شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف : 13 + حمزة الأصبهاني ، التنبيه على حدوث التصحيف : 27 .